سعيد حوي
3631
الأساس في التفسير
الارتقاء والكمال ، التي يمتاز بها جنين الإنسان . إن الجنين الإنساني مزود بخصائص معينة هي التي تسلك به طريقه الإنساني فيما بعد . وهو ينشأ خَلْقاً آخَرَ في آخر أطواره الجنينية ؛ بينما يقف الجنين الحيواني عند التطور الحيواني . لأنه غير مزود بتلك الخصائص . ومن ثم فإنه لا يمكن أن يتجاوز الحيوان مرتبته الحيوانية ، فيتطور إلى مرتبة الإنسان تطورا آليا - كما تقول النظريات المادية - فهما نوعان مختلفان . اختلفا بتلك النفخة الإلهية التي بها صارت سلالة الطين إنسانا . واختلفا بعد ذلك بتلك الخصائص المعينة الناشئة من تلك النفخة والتي ينشأ بها الجنين الإنساني خَلْقاً آخَرَ . إنما الإنسان والحيوان يتشابهان في التكوين الحيواني ؛ ثم يبقى الحيوان حيوانا في مكانه لا يتعداه . ويتحول الإنسان خلقا آخر قابلا لما هو مهيا من الكمال . بواسطة خصائص مميزة ، وهبها له الله عن تدبير مقصود لا عن طريق تطور آلي من نوع الحيوان إلى نوع الإنسان « 1 » فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ . . وليس هنا من يخلق سوى الله . فأحسن هنا ليست للتفضيل ، إنما هي للحسن المطلق في خلق الله .
--> ( 1 ) تقوم نظرية النشوء والارتقاء على أساس مناقض . إذ تفترض أن الإنسان ليس إلا طورا من أطوار الترقي الحيوانية . وتفترض أن الحيوان يحمل خصائص التطور إلى مرتبة الإنسان . والواقع المشهود يكذب هذا الفرض لتفسير الصلة بين الحيوان والإنسان . ويقرر أن الحيوان لا يحمل هذه الخصائص . فيقف دائما عند حدود جنسه الحيواني لا يتعداه . وقد يثبت تطوره الحيواني على نحو ما يقول دارون أو على أي نحو آخر . ولكن يبقى النوع الإنساني متميزا بأنه يحمل خصائص معينة تجعل منه إنسانا ليست نتيجة تطور آلي . إنما هي هبة مقصودة من قوة خارجية . وإن الناس ليقفون دهشين أمام ما يسمونه ( معجزات العلم ) حين يصنع الإنسان جهازا يتبع طريقا خاصا في تحركه ، دون تدخل مباشر من الإنسان . . فأين هذا من سير الجنين في مراحله تلك وأطواره وتحولاته ، وبين كل مرحلة ومرحلة فوارق هائلة في طبيعتها ، وتحويلات كاملة في ماهيتها ؟ غير أن البشر يمرون على هذه الخوارق مغمضي العيون ، مغلقي القلوب ، لأن طول الألفة أنساهم أمرها الخارق العجيب . . وإن مجرد التفكير في أن الإنسان - هذا الكائن المعقد - كله ملخص وكامن بجميع خصائصه وسماته وشياته في تلك النقطة الصغيرة حتى لا تراها العين المجردة ، وإن تلك الخصائص والسمات والشيات كلها تنمو وتتفتح وتتحرك في مراحل التطور الجنينية حتى تبرز واضحة عندما ينشأ خلقا آخر . فإذا هي ناطقة بارزة في الطفل مرة أخرى . وإذا كل طفل يحمل وراثاته الخاصة فوق الوراثات البشرية العامة . هذه الوراثات وتلك التي كانت كامنة في تلك النقطة الصغيرة . . إن مجرد التفكر في هذه الحقيقة التي تتكرر كل لحظة لكاف وحده أن يفتح مغاليق القلوب على ذلك التدبير العجيب الغريب . . )